السيد حيدر الآملي

304

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وهبت لهم العناية الإلهيّة من القبول والاستعداد ، وأخذه على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم هو حكم الحكمة الإلهيّة عليهم بالقوّة على ما كلَّفوا به من ضبط الوحي في ألواح قواهم وجذب سائر النفوس الناقصة إلى جناب عزّة بحسب ما أفاضهم من القوّة على ذلك الاستعداد له وما منحهم من الكمال الَّذي يقتدرون معه على تكميل الناقصين من أبناء نوعهم ، ولمّا كانت صورة العهد وأخذ الأمانة في العرف أن يوغر إلى الإنسان بأمر ويؤكّد عليه القيام به بالإيمان وإشهاد الحقّ سبحانه ، وكان الحكم الإلهي جاريا بإرسال النفوس الإنسانيّة إلى هذا العالم وكان مراد العناية الإلهيّة من ذلك البعث أن يظهر ما في قوّة كلّ نفس من كمال أو تكميل إلى الفعل ، وكان ذلك لا يتمّ إلَّا بواسطة بعضها للبعض ، كان الوجه الَّذي بعثت عليه مشابها للعهد والميثاق المأخوذ والأمانة المودعة كلّ لما في قوّته وما أعدّ له فحسن إطلاق هذه الألفاظ واستعارتها هاهنا . ( في بيان سبب إرسال الرّسل وآثارهم في الإنسان ) قوله : « لمّا بدّل أكثر خلق اللَّه عهده إليهم فجهلوا حقّه واتّخذوا الأنداد معه واجتالتهم الشياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته إلى آخره » . إشارة إلى وجه الحكمة الإلهيّة في وجود الأنبياء عليهم السّلام ولوازمه وهي شرطيّة متصلة قدّم فيها التالي لتعلَّق ذكر الأنبياء عليهم السّلام بذكر آدم ، والتقدير لمّا بدّل أكثر فخلق اللَّه عهده إليهم اصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم فبعثهم في الخلق ، وذلك العهد هو المشار إليه بقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ سورة الأعراف : 172 ] . قال ابن عبّاس : لمّا خلق اللَّه آدم مسح على ظهره فأخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فقال : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ سورة الأعراف : 172 ] .